الشيخ عبد الغني النابلسي

98

كتاب الوجود

ولم يجازه اللّه تعالى على ذلك إلا لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه تجلى عليه بما تصوره « 1 » ذلك البراذعى في عقله من الصورة المقتضية لأن يكون له حمار يركبه ، فلما خاطبه البرادعى ، وهو متجلّ عليه في تلك الصورة التي لا مناسبة بينه وبينها أصلا ؛ إذ هو سبحانه منزه عن الصور كلها ، جازاه على تعظيمه له على قدر معرفته ، وكل عباد اللّه تعالى كذلك من أنبياء وأولياء وغيرهم ، فإن صور التجليات كلها على قلوب العباد متساوية في أنها صور حادثة ، وإنما الفرق بين الخواص والعوام بإنكار شيء من صور التجلي ، وعدم إنكار ذلك . قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه من جملة أبيات له : عقد الخلائق في الإله عقائدا * وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه وقال أيضا : لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فدير لرهبان وبيت لأوثان ومرعى لغزلان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن « 2 »

--> ( 1 ) وفي قوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث المتقدم الذي رواه مسلم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ، قال النووي : هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه - سبحانه وتعالى - لم يترك شيئا بما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت ، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : اعبد اللّه في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان . [ النووي في شرح مسلم ( 1 / 141 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] . ( 2 ) يذهب ابن عربى إلى القول بوحدة الأديان كنتيجة مترتبة على قوله بالإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية ؛ إذ مصدر الأديان عنده كما رأينا واحد ؛ وهو اللّه ، ويدل على ذلك هذا الشعر المذكور . قال أبو الوفا التفتازاني : هذا في رأينا من الغلو الذي لا مبرر له ، فالعقائد والديانات متباينة ، ومنها الصحيح والفاسد ؛ فكيف يعلن جمع لهذه المتناقضات في عقيدة واحدة . [ انظر : التصوف الفلسفي الإسلامي ( 40 ) ، طبعة دار الحديث ] .